تجربة البرازيل ومدى علاقتها بالتجربة المصرية


Posted on April 10, 2015 at 10:00 AM by AM Law Firm



البرازيل هي بحق أرض المتناقضات، حيث تجتمع فيها ناطحات السحاب مع البنايات الصغيرة المتواضعة، وتعد مجتمعًا متجانسًا بكل العرقيات المختلفة التي تقطنه، والبرازيل تمتلك إلى جانب قدراتها الطبيعية من حيث الأراضي الزراعية الشاسعة والأنهار الكثيرة والثروات الطبيعية مثل النفط والمعادن الكثيرة، بالإضافة إلى القوة السكانية التي تقترب من 200 مليون نسمة مناخًا ديمقراطيًّا سليمًا بدأ أولى خطواته في 1985 وسار في النمو والاستقرار على مدار سنوات، فعند وصول "لولا دا سيلفا" إلى الحكم في 2003 كانت البرازيل لديها خبرة 17 عامًا من التجربة الديمقراطية بعيدا عن تدخل المؤسسة العسكرية بعد تاريخ طويل من الاستبداد والقهر العسكري، هذا المناخ الديمقراطي أفرز إرادة شعبية قوية ورغبة عارمة لدى البرازيليين لتحقيق النجاح والنمو والتقدم رغم الفقر الشديد، وفي النهاية توفر للبرازيل زعيم برتبة رئيس لديه تاريخ طويل من العمل السياسي والنقابي ولديه خبرة حقيقية بمشكلات الدولة والشعب، والأهم أن لديه إرادة للنجاح وتحقيق النمو والتقدم وهدف وحيد وهو مصلحة البرازيل، وكما يقول المحللون في البرازيل "إن "لولا" مكث في الرئاسة ثماني سنوات لم يتربح لنفسه ريالا واحدًا على الإطلاق، فقد تميز بعزيمة قوية وإصرار على النجاح".

وقد أدى برنامج التقشف إلى خفض عجز الموازنة وارتفاع التصنيف الائتماني للبلاد ومن ثم ساهم ذلك بقوة في القضاء على انعدام الثقة في الاقتصاد البرازيلي، وبناء عليه تلقت البرازيل نحو 200 مليار دولار استثمارات مباشرة خلال السنوات القليلة الماضية، بالإضافة إلى عودة نحو مليوني مهاجر برازيلي إلى البلاد، وقد ساعدت هذه الاستثمارات في رفع الطاقة الإنتاجية للدولة وذلك يعني توفير فرص عمل جديدة تساعد في حل مشكلة الفقر، وبعد أن كان صندوق النقد يرفض إقراض البرازيل في أواخر عام 2002 أصبح بعد ثمانية أعوام من العمل في برنامج لولا الاقتصادي مَدينًا للبرازيل ب 14 مليار دولار، ونتج ذلك عن تبني الدولة لعدة إجراءات إيجابية مثل، التوسع الهائل في الزراعة واستخراج النفط والمعادن، وكذلك التوسع في الصناعة والاهتمام بالصناعات البسيطة القائمة على المواد الخام مثل تعدين المعادن والصناعات الغذائية والجلدية والنسيج، والتي كانت موجودة من قبل لكن حدث فيها توسعات نتيجة للتوسع في الزراعة والاكتشافات البترولية ومن ثم التوسع في هذه الصناعات بشكل ملحوظ، وكذا الاهتمام بالصناعات التقنية المتقدمة، حيث خطت البلاد خطوات واسعة في العقد الأخير في صناعات السيارات والطائرات، وتم العمل على تنشيط قطاع السياحة من خلال ما تمتلكه البرازيل من طاقات طبيعية نادرة وحيوية من غابات وشواطئ مؤهلة بقوة لاجتذاب أفواج سياحية كبيرة، وأيضًا الاعتماد على سياحة المهرجانات وهو الأمر الذي ساهم كذلك في إنعاش الاقتصاد وتحقيق مزيد من النمو.

ولم تكتفِ البرازيل بالعمل على استخدام السياسات الاقتصادية الداخلية للنهوض بالاقتصاد البرازيلي، وإنما أيضا خطت خطوات متميزة على مستوى السياسات الاقتصادية الخارجية، من خلال منظمة (الميروكسور) وهى بمثابة السوق المشتركة لدول الجنوب وتشكلت باعتبارها اتفاقية للتجارة الإقليمية بين كل من البرازيل والأرجنتين وباراجواي وأوروجواي في 1991 وعضوية غير كاملة لفنزويلا وبوليفيا، وهي تعد اليوم رابع أكبر قوة اقتصادية في العالم، وقد اهتمت سياسة "لولا" الاقتصادية على المستوى الخارجي بالقيام بدور قوي في التأثير على النظام الاقتصادي العالمي من خلال اجتماعات (الميركوسور).

وعلى جانب آخر شكلت البرازيل مع روسيا والصين والهند مجموعة (البريكس BRICS) في 2009 ثم انضمت لهم جنوب أفريقيا في 2010. وهذه الدول تعد صاحبة أكبر اقتصاديات على مستوى الدول النامية، حيث يعادل الناتج الإجمالي المحلى لتلك الدول مجتمعة ناتج الولايات المتحدة، وقد قام هذا الكيان على أطروحة تفيد أنه بحلول 2050 ستنافس اقتصاديات تلك الدول اقتصاد أغنى دول العالم، وتقوم البرازيل من خلال (البريكس) بمحاولة تقديم نفسها باعتبارها دولة صاعدة تسعى إلى وضع دولي أفضل يتمثل في الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن، وأصبحت في السنوات القليلة الماضية أحد الدول المقرضة للبنك الدولي بعد أن كانت مدينة له، ونتج ذلك النجاح من خلال الرؤية الواضحة، والإرادة السياسية القوية، والصدق والشفافية في التعامل مع الجماهير، حيث ترجمت الرؤية إلى برنامج عمل يتشكل من مجموعة من السياسات التي تؤدي إلى تحقيق الأهداف.

والمهم هنا في مصر هو ترشيد تلك السياسات وتنقيتها من شبهة الفساد والتربح الشخصي، ولنا في "لولا" مثال يحتذى به في عدم التوحش في استخدام السياسات الاشتراكية، إذ لا ينبغي التصور أن أي رئيس أو حكومة قادمة في مصر يمكن أن تمتلك عصا سحرية لتحقيق النمو الاقتصادي الفوري، ولكن علينا الاهتمام بتطوير الإنتاج المحلي سواء الزراعي أو الصناعي وفي الوقت نفسه العمل على اتباع سياسات اقتصادية ترفع القدرة الشرائية المحلية لحماية الاقتصاد الوطني من أن يكون عرضة للأزمات الاقتصادية العالمية والتي تعصف بالاقتصاد العالمي اليوم، والمجتمع المصري الذي يقترب عدد سكانه من 90 مليون نسمة من يمثل بالفعل طاقة إنتاجية كبيرة ومتنوعة، إضافة إلى كونه سوقًا واسعًا مليئًا بالخبرات والمهارات المتنوعة في شتى المجالات.

وأخيرًا يجدر الإشارة إلى أن التجربة البرازيلية لم تكن فقط تجربة "لولا دا سيلفا" أو خليفته "روسيف"، بل هي تجربة نجاح فالشعب البرازيلي بطبقاته الكادحة هو من تحمل أعباء سياسات التقشف حتى تعافى الاقتصاد البرازيلي، كما أنه استطاع تقديم عروض ناجحة وقوية وصادقة مكنت البرازيل من الحصول على تنظيم أهم حدثين رياضيين في العالم وهما بطولة كأس العالم في 2014 بعد منافسة قوية مع الولايات المتحدة الأمريكية والتي كان يتزعم حملة الترويج لها الرئيس أوباما بنفسه، بالإضافة إلى الألعاب الأوليمبية في 2016 والتي فازت بها ريو دى جانيرو بعد منافسة قوية مع مدريد لتكون بذلك أول دولة في أمريكا الجنوبية يقام بها الأولمبياد في التاريخ.

  • بقلم أ/ أسامة عامر
  • اشراف ومراجعة د/ محمد سهل
  • اشراف عام أ/ مصطفى نوفيق